قصة قصيرة .... الدوامــــــــــــــــــة

رمى بنفسه على الأريكة المتعبة، وأشهر جهاز البحث نجو التلفاز يقلب المحطات، لعله يجد برنامجا يخفف توتره المسيطر عليه منذ أيام،هدأت اليد على إحدى القنوات الرياضية التي تبث احدي البطولات العالمية لسباق السيارات ، حدق بقوة لعل عينيه تستوعب كل المشاهد الصاخبة المتلاحقة،اخذ يتأمل جيدا...
قال في نفسه :- صحيح أن أصعب لحظات السباق هو في خطواتها الأخيرة، ففيها الجهد والتسارع في القوة واستنفاذ أقصى درجات الطاقة والحركة ، أملا في الوصول للهدف والاستراحة ، تماما كحالتي ...
لقد وصل الشهر رأس الدبوس، الساعات الأخيرة منه أثقل من كل أيامه التي مرت، نفذت المحفظة، ولم يعد في الحصالة صوت، استمر عبد الرزاق بقلب القنوات حتى استقر إلى قناة معا ، لعله يلمح تصريحا حول موعد صرف الرواتب،..........لكن لا خبر
نقر أرقام جواله يريد الحديث صديق له اشتهر بسرعة اقتناص الاخبار، التسجيل الآلي في الجوال يقول له ... رصيدك الآن اقل من شيكل.. ويمكنك .... أمتعظ مرقصا قدميه من شدة التوتر
وقال : سلامات... ألا يوجد عندك خبر عن الرواتب ؟؟
تمعّرت سحنته.. وقال : ليس مبكرا.. منذ أيام حان موعدها .. ؟!
صمت ليستمع.. ثم أدرك انه لا يملك الرصيد الكافي لكثير من الكلام
فقال : طيب طيب.. مع السلامة
ألقى الجوال إلى جانبه ورفع يده ماسحا شعره الذي تخلله الشيب مبكرا ، ونهض من فوره يبحث عن مكان يواسي نفسه فيه
* * *
رنت ساعة المنبه، الآن الساعة السابعة صباحا، تجاهل الصوت، كما انه تجاهل جدال الأولاد مع أمهم التي تريد أن توزع ما بقي من فكة النقود عليهم بالتساوي ، احتجوا بشدة ، فعلت الأصوات، حاول إخفاء رأسه بالوسادة المليئة بالهموم ، عجزت الأم عن إسكاتهم، فأنتفض من تحت الفراش مفاجأ الجميع
وصرخ: اخرسوا ... هيا انصرفوا بصمت إلى المدرسة
صمت مشوب بالرهبة ...حتى خرجوا واجمين..
نهض بسرعة دخل الحمام وعاد.. بعض صحون الافطار التقشفي... وورقة تحمل قائمة بطالب البيت...
حمل الورقة وقال : ما هذا ؟
قالت : هذا بعض من نحن بأمس الحاجة إليه إذا صرفت الرواتب اليوم ...
امسك القائمة يتصفحها...،وضعها في جيبه ونهض ممسكا عن الإفطار
قالت له: ألا أفطرت؟؟
قال : لا أجد لي نفسا في تناول الافطار
حمل معطفه وخرج
* * *
جلس خلف مكتبة في مكان وظيفته مسترخيا على كرسيه وحالة التوتر تعتريه، يقلب بطرف إبهامه حبات السبحة بين يديه تارة .. وتارة ينظر في ملفات المراجعين أمامه ، ثم يعود ويسترخي..
قال لزميله :اشعر أن ليس رغبة في العمل..
فرد الزميل : ومن سمعك أيضا
دخل احدهم يعلعل بالزغاريد
قاله له : ما بك؟
فرد الداخل الفرح قائلا : ألم تعلموا؟
قال : تكلم حالا ماذا هناك؟؟
قال : نزلت الرواتب !!
قفز من معقدة : أتمزح ؟؟!!
قال : والله ... وهل يمزح بمثل هذا ؟!
فتناول معطفه على عجل وأسرع في النزول من على درج المؤسسة.

* * *
دخل المصرف المزدحم بسرعة، وضغط على آلة الحجز الرقمي، نظر إلى ما أخرجته له الإله .. رقم 142.... نظر لوحة عرض الرقام .. 56... تأفف...بحث عن معقد فلم يجد كل المقاعد مليئة بالزبائن أو بالأحرى بعملاء المصرف .. ، استل جواله واخذ يقلب الاقام والصفحات والصور والمقاطع لعله يقتل الوقت... كسر انشغاله صوت صديق له أنهى لتوه عد النقود
قال له:- سلامات عبد الرازق كيف الحال؟؟
عبد الرازق : الحمد لله...... هنيئا لك أراك قد استلمت راتبك ؟!
فرد الصديق: اسمع.. خذ هذا رقم قريب
كان الرقم 77... لم يبقى سوى رقيمين، أغلق جواله واستعد وما هي إلا ثواني حتى برز الرقم 77 على اللوحة المضيئة ...فتقدم نحو شباك الموظفة، وغرّد برقم الحساب
سألته :كم تريد أن تسحب؟؟
قال : كل الراتب
فشرعت في الإجراءات السريعة ، وقد دخل في حالة من الخمول والحزن وهو يرى العداد الآلي يحصي راتبه.. فوقع بسرعة قبل أن يستلم الغائب المنتظر.. فشعر بالقشعريرة تنساب في بدنه وخرج وهو يعد الراتب لأكثر من مرة..ويقسمة أجزاء...
قال هذا دين البقال... وهذا للجمعية . وهذا لمناسبات الاجتماعية .... وهذا قسط محل الأدوات الكهربائية.. وهذا الذي بقي هو لأخر الشهر.. شعر بان الرقم صغير أمام أحمال الشهر، فعادت له مقدمات الحالة الأولى من انتظار للراتب القادم..

الكاتب عصري فياض